السيد الطباطبائي

135

تفسير الميزان

قوله تعالى : " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم " الآية عود على بدء الكلام أعني قوله في أول الآيات : " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته " أي من أعظم من هؤلاء ظلما ولقد أتممنا عليهم الحجة وأقمنا لهم البيان فجئناهم بكتاب فصلناه وأنزلناه إليهم على علم منا بنزوله . فقوله : " على علم " متعلق بقوله : " لقد جئناهم " والكلمة تتضمن احتجاجا على حقية الكتاب والتقدير : ولقد جئناهم بكتاب حق : وكيف لا يكون حقا ؟ وقد نزل على علم منا بما يشتمل عليه من المطالب . وقوله : " هدى ورحمة لقوم يؤمنون " أي هدى وإراءة طريق للجميع ورحمة للمؤمنين به خاصة ، أو هدى وإيصالا بالمطلوب للمؤمنين ورحمة لهم ، والأول أنسب بالمقام وهو مقام الاحتجاج . قوله تعالى : " هل ينظرون إلا تأويله " إلى آخر الآية . الضمير في تأويله راجع إلى الكتاب وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات " الآية : آل عمران : 7 أن التأويل في عرف القرآن هو الحقيقة التي يعتمد عليها حكم أو خبر أو أي أمر ظاهر آخر اعتماد الظاهر على الباطن والمثل على المثل . فقوله : " هل ينظرون إلا تأويله " معناه هل ينتظر هؤلاء الذين يفترون على الله كذبا أو يكذبون بآياته وقد تمت عليهم الحجة بالقرآن النازل عليهم ، إلا حقيقة الامر التي كانت هي الباعثة على سوق بياناته وتشريع أحكامه والانذار والتبشير الذين فيه فلو لم ينتظروه لم يتركوا الاخذ بما فيه . ثم يخبر تعالى عن حالهم في يوم إتيان التأويل بقوله : يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه الخ ، إي إذا انكشفت حقيقة الامر يوم القيامة يعترف التاركون له بحقية ما جاءت به الرسل من الشرائع التي أوجبوا العمل بها ، وأخبروا أن الله سيبعثهم ويجازيهم عليها . وإذ شاهدوا عند ذلك إنهم صفر الأيدي من الخير ، هالكون بفساد أعمالهم سألوا أحد أمرين يصلح به ما فسد من أمرهم أما شفعاء ينجونهم من الهلاك الذي أطل عليهم أو أنفسهم ، بأن يردوا إلى الدنيا فيعملوا صالحا غير الذي كانوا يعملونه من السيئات وذلك قوله حكاية عنهم : " فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي